سلّط الكاتب إبراهيم حمودة في تقرير نشره موقع ليفانت إنتل الضوء على التحولات العميقة التي تضرب القطاع الزراعي المصري، مؤكداً أن الزراعة ما زالت تمثل العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي رغم عقود من محاولات تنويع الاقتصاد نحو السياحة والطاقة والخدمات. ويرى حمودة أن مصر تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تتعلق بالمياه والتغير المناخي وتراجع القدرة على تحقيق الأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على ملايين المصريين.
وأشار تقرير ليفانت إنتل إلى أن القطاع الزراعي لا يزال يساهم بنسبة تتراوح بين 11 و14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما يوفر فرص عمل لنحو ربع القوة العاملة تقريباً، خاصة في محافظات الدلتا والصعيد، حيث ترتفع معدلات الفقر وتنخفض البدائل الاقتصادية. وأضاف التقرير أن الحرب الإيرانية الأخيرة وما تبعها من اضطراب أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد زادت الضغوط على الاقتصاد المصري وأظهرت هشاشة الاعتماد على الاستيراد والتدفقات المالية الخارجية.
تراجع الاكتفاء الذاتي وأزمة القمح
كشف التقرير أن مصر، التي عُرفت تاريخياً بقدرتها الزراعية واعتمادها على نهر النيل، باتت تعتمد بصورة متزايدة على استيراد الغذاء، خصوصاً القمح، بعدما فقدت مستويات الاكتفاء الذاتي التي كانت تتمتع بها خلال عقود سابقة. ومع تولي رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الحكم، توسعت الدولة في مشروعات عمرانية وبنية تحتية ضخمة، بينما استمرت فجوة الغذاء في الاتساع مع زيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
وأوضح التقرير أن القمح يمثل قضية استراتيجية للأمن القومي المصري، لأن أي اضطراب عالمي ينعكس فوراً على الأسعار المحلية وقدرة الحكومة على توفير الخبز والدعم الغذائي. كما أشار إلى أن الحكومة تسعى لزيادة الصادرات الزراعية وتوفير العملة الصعبة، لكن هذا التوجه يواجه تحديات حقيقية في ظل نقص المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وتآكل الأراضي الزراعية.
وربط الكاتب بين تراجع الإنتاج المحلي وبين الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن المصري، مؤكداً أن غياب الاكتفاء الذاتي يضع البلاد تحت رحمة الأسواق العالمية وتقلبات السياسة الدولية، خاصة مع استمرار الاعتماد على الاستيراد لسد الفجوة الغذائية.
أزمة سد النهضة ونقص المياه
تناول التقرير أزمة المياه باعتبارها التهديد الأخطر للزراعة المصرية، إذ تعتمد مصر على نهر النيل لتوفير نحو 97 بالمئة من احتياجاتها من المياه العذبة المتجددة. وأكد أن سد النهضة الإثيوبي يمثل تحدياً وجودياً للقاهرة، لأن أي خفض في تدفقات المياه قد يؤثر مباشرة على الأراضي الزراعية وإنتاج الكهرباء من السد العالي.
وأوضح الكاتب أن الزراعة تستهلك ما بين 76 و82 بالمئة من الموارد المائية المصرية، بينما انخفض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن خط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب للفرد.
وأضاف التقرير أن الحكومة فرضت قيوداً على زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز والموز، في محاولة لترشيد الاستهلاك، لكن هذه الإجراءات لا تكفي وحدها لمواجهة الأزمة المتصاعدة. كما حذر من أن التغير المناخي يهدد دلتا النيل، التي تنتج الجزء الأكبر من الغذاء المصري، مع توقعات بارتفاع معدلات التآكل وتراجع خصوبة الأراضي بحلول منتصف القرن.
الزراعة ركيزة الاستقرار الاجتماعي
أكد التقرير أن أهمية الزراعة في مصر لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالملايين في الريف يعتمدون على هذا القطاع كمصدر دخل رئيسي، وأي تراجع حاد في الإنتاج أو ارتفاع في أسعار الغذاء قد يدفع نحو اضطرابات اجتماعية واسعة.
وأشار الكاتب إلى أن الدولة تحتاج إلى استراتيجية أكثر ابتكاراً لدعم الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي، بدلاً من الاعتماد المفرط على الاستيراد أو الحلول المؤقتة. كما شدد على ضرورة توجيه استثمارات أكبر نحو تحديث الري وتحسين إنتاجية الأراضي ودعم الفلاحين، لأن مستقبل الاستقرار في مصر سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على حماية قطاعها الزراعي وتأمين الغذاء لمواطنيها.
https://levantintel.net/analysis/652/agriculture-remains-central-to-egypts-stability

